حدث لي امر يصعب تصديقه هنا في مدينة براشوڤ الرومانيه ، وخلال إجازة قصيره قضيتها بها، حادثة حقيقيه غيرت مجرى حياتي.
كان صباح يوم أحد بارد خرجت فيه ابحث عن مكان اتناول فيه قهوة، ولكن معظم المحلات كانت مغلقه آنذاك. فتوجهت الى مركز المدينه القديمه، كانت رياح الصباح البارده تتخلل ثيابي فلجأت الى جدار الكنيسة السوداء الضخمه، والتى تقع على طرف السيتاديل الشمالي لمركز المدينه وعندما أخذت منحنى الطريق ..اصبحت واعيا الى أن هناك امرأة واقفة أمامي ..كانت تنظر الىّ .
لم أكن لأعر الأمر إنتباها لولا ان هناك شيئا غريبا في هذه المرأه كان يشد إهتمامي..أهي ثيابها التي لاتتفق مع الموضه؟ ام هي التعابير العميقه المرتسمة على وجهها؟..أم كانت إبتسامتها الحلوه؟
كنت لحيظات قبل ان ادرك أن السبب هو ليس كل هذه الأشياء! بل لأن تلك المرأه كانت تحوم في الهواء و على إرتفاع متر تقريبا من الأرض فوق الممشي الصخري المحاذي للكنيسه
يا إلهي..قلت بصوت عال وتوقفت عن المشي ، أصابنى الذعر. تلفت يمينا ويسارا ، فلم أجد اي أنسان بقربي. اقتربت المرأة مني وقالت بصوت عذب: لاتخف يابنى
لم اكن متأكدا من أنها فعلا قالت ذلك ، فشفتاها لم تتحركان. لقد كانت تخاطبني من الداخل.. فجرت بيني وبينها هذه المحادثه
اتعرف من أنا يابنى؟
فأجبتها: انك تبدين اصغر سنا مني، فلم تناديني يابني؟
فقالت: أن إبني يكاد يكون في عمرك..ألم تحزر بعد من أكون أنا ؟
لايمكن أن يكون لها أبن بعمري، فملامحها الجميله تدل على فتاة في الثلاثين او اقل من ذلك..وفجأة غمرني شعور غريب فقلت: لقد قرأت عن تجليات وظهور كهذا من قبل..يال الهول !! أيمكن ان تكونين انت..السيده مريم العذراء؟
آنسه لوسمحت ، أجابتني واكملت: أنا لم أتزوج بعد
لم يكن يهمني ان تكون سيده ام آنسة عذراء..فأخر شيء اريد ان يحدث لي هو ان اصبح مؤمنا
ولقلقي سألتها: ايعني هذا إنني يجب ان أؤمن بك الأن؟
فانفرج ثغرها عن إبتسامة ساحرة وأسدلت أجفانها ..وقالت بدلال : هذا لن يغير من كوني من اكون
غالبني فضولي فسألتها العذر أن تقبل الأجابة على بعض تساؤلاتي فقالت: بالطبع يابني
أليس من المفترض- قلت لها: أن تتجلي وتظهري لبعض الفلاحين في بعض الدول اللاتينيه او الأولاد والعجائز الذين يتحدثون باللغة الإسبانيه فقط؟ فلم ظهرت لي اليوم وأنا سائح ولست من هذه البلاد ..ولا اتحدث اللغة الأسبانيه إطلاقا..كما انني لست بمسيحي اصلا
لست بمسيحي؟ بدت علامات الذهول والخيبة على وجهها
أأنت يهودي؟
لا ..قلت لها : اسوء قليلا
أمسلم؟ فترددت ثم هززت رأسي إيجابا ،ثم قلت: ولكن ليس بذنبي انا فقد..ولدت كذلك
ماهذا الحظ التعيس؟ ..ماهذا الحظ العاثر؟ قالت تحدث نفسها: فأنا لا أتجلى الا بعد مرور عشرات من السنين..ويطلع واحد سائح..ومسلم أيضا
ولكن ياسيدتنا العذارء قلت مطمئنا: لاتقلقي فنحن المسلمين..نؤمن بك ايضا
آنسه لو سمحت ، صلحت لي مرة اخرى
نعم يا آنستنا العذاراء ولكن..تابعت قائلا: مع هذا فأنت لم تجيبي على سؤالي
اي سؤال؟ قالت
لماذا لاتتجلين وتظهرين الا للفلاحين الذين يتكلمون الإسبانيه والبرتغاليه فقط و...للأطفال والعجائز؟
من قال هذا؟ أجابتني : لقد تجليت للناس في أماكن عديدة في مصر ولبنان و..مره حتى في الطائف
في الطائف؟ قلت باستغراب: الطائف!..في جزيرة رمال العرب؟
نعم ولكنها لم تكن تجربة حسنه فقد طاردني الأطفال يرجموني بالحجاره..لحسن الحظ فأن الحجارة تخترقني؟؟ ولا تؤذيني
قلت لها: إنني أتفهم شعورك فأهل الطائف معروفين بذلك ..ولكن لماذا لم تجربي التجلي في بلدي؟
فمن أين أنت يابني؟ سألتني الأنسه العذراء لاتقل لي من الطائف أو القصيم ؟
لا اعوذ بالله ، انا من الأمارات..من ابوظبي وبالتحديد من مدينة العين
فضحكت..وقالت: هذا اسم لايناسب التجّلايات الاكريليكية المقدسه..تخيل ظهور العذراء في ابوظبي! سيكون ذلك مدعاة للسخريه، ولكن لو غيرتم إسمها الى سانت ظوبيا او مار-عين ..فربما أفكر عندها بالتجلي عندكم بعد عشرة سنوات
ولكن آنستي العذراء - سألتها: الأشاعه تقول انك لاتظهرين الا في البلاد الكاثوليكيه..شعرتُ بالأحراج بعد هذا السؤال لأنني تجاوزت حدود اللياقه الرسميه ..وكأنني اخاطب شخصا عاديا ، وليست ام الرب فأعتذرت بشده
بعد صمت إستغرق دقائق اجابتني الأنسه العذراء قائلة: لاباس هذه مغالطه ..لاتصدق مايقولون فانا تجليت لكثير من المسيحيين الغير كاثوليك ولكن مافي فايده فيهم..فالكاثوليك هم الوحيدون الذين يتحدثون عن تجلياتي وظهوري ويخبرون الناس عنها، ثم أن كنائسهم ملونه جميله وبها تماثيل تبكي بالدموع.. وهي أحلى كثيرا من كنائس الأخرين.
قلت: ولكن آنستي العذراء المباركه إن سمحتيلي بالسؤال! لماذا تصرين على هذه الرؤيا..لماذا تعودين للأرض دائما
بدا عليها عدم الإرتياح من سؤالي، وبعد برهة من التفكير قالت: أعتقد أن الحياة في الجنه قد تكون رتيبة بعض الشيء..وقد تحتاج أن تخرج منها بين فترة واخرى للتجلىّ والتسليّ
عندي سؤال أخر لو لم تمانعي سيدتي؟ قلت لها
آنستي لو سمحت..قالت: ولكن تفضل
قلت: لا ادري كيف اقول هذا لأمرأه: ولكن..لماذا تلبسين ثيابا على موضة القرن الرابع عشر؟
ماذا تقصد؟ قالت لي
فقلت بتحفظ: اقصد دائما أرى صورك في الكنائس و في الڤاتيكان..وحتى هنا فقد دخلت أهم كنائس مدينة براشوڤ و وجدت صورك بها تلبسين دائما ثيابا إيطاليه من موضة القرن الرابع عشر و حتى في لوحات الرسامين العالميين أنت تلبسين ثيابا تذكرني بمسرحيات شكسبير..وتظهرين بثياب اوروبيه من القرن الرابع عشر، ومع أنك لست أوروبيه وولدت مثلي في بلاد الرمال ومع هذا فحتى في كنائسنا الشرقيه في بلاد الرمال دائما تلبسين ملابس اوروبيه من الحقبه السابقه لعصر النهضه ..لماذا لاتلبسين ثياب عصرك؟
فقالت: انت ذكي يابني ولكن الثياب مجرد مظاهر. وانا الأنسة العذراء، انا من اكون.. لا ما ألبس، أليس كذلك؟
قلت: صحيح سيدتي بس..فقاطعتني: آنستي لو سمحت
آنستي العذراء، حسنا ولكن مالا أفهمه هو أنك لم تعيشي في القرن الرابع عشر الميلادي..أنت عشت في القرن الأول الميلادي فلماذا تصرين على لبس ثياب زمن ليس بزمنك؟
بدا عليها عدم الأرتياح ثم وبعد تفكير عميق قالت: ولكن أنا لست الوحيده ..ففي بلادكم بلاد الرمال كثير من الناس يلبسون ثيابا تعود لعصر قديم يسمونها الثياب السلفيه..هل أذكرك؟ ثوب قصير غتره بدون عقال.. نقاب وجلباب و حجاب..هاها ها
كانت ضحكة ساخره ولكني احسست بانني اخطات بحقها فمن الخطأ أن ينتقد رجل ستايل إمرأة وموضة لبسها مهما كان..فهذا يجرح شعورها..فتداركت الأمر وقلت: سيدتي ..لماذا لا، وقبل ان اكمل قاطعتني : أووه آنستي ..آنستي
عفوا آنستي العذراء- قلت: لم اقصد ان لباسك ليس جميلا بالعكس ولكن وددت أن أقول لماذا لاتلبسين موضة العصر الذي ستتجلين فيه للناس..ستكونين متجانسة مع موضتهم وطريقتهم في اللباس
وهنا دارت بعينيها في السماء- وكأنها مستغربة من جهالتي- وقالت: يابني مالك لا تفهم؟ لو ظهرت للناس بموضة زمنكم هذا وكما ترى هؤلاء النساء في هذه المدينه ومايلبسن..فمن سيلاحظني بينهن؟
وهنا تخيلتها بتنوره ميني قصيره وقد كشفت عن ساقين من المرمر ولبست بوتا اسودا من الجلد للركبه مثل نساء مدينة براشوڤ ..بالطبع سألاحظها وكأنها...اين أنت؟ صاحت بي: لماذا تحملق بي هكذا؟
أسف سيدتي العذراء جدا..أقصد آنستي العذراء فقط - فقد اخذنى عقلى بعيدا..كنت افكر في..أمممم أقصد، لماذا تحومين في الهواء على إرتفاع متر؟ لماذا لاتنزلين الى الأرض وتمشين مثلنا على الرصيف
كم أنت جاهل يابني أجابتني: نحن نقوم بذلك لأن هذا شيء تعلمناه منذ أمد طويل، الا تلاحظ ان البابا يطل على الناس من فوق دائما، الا تلاحظ الرؤساء والملوك يجلسون على درجات اعلى منكم..الم تلاحظ نصر الله عندما يلقى خطبه..ألم تلاحظ مرؤسيك بالعمل ألم تلاحظ مكتب الوزير ودرج القاضي..يجب ان نكون أعلى منكم لتنظرون الينا الى فوق ونحن ننظر أليكم تحت..هذا جزء من تذكيركم بالسلطه والقوه والسيطره
شكرا سيدتي فقد افدتيني بهذه النقطة كثيرا. قلت لها
يووه آنستي.آنستي..تذكر ارجوك فأنا لم أتزوج بعد قالت
أعذريني آنستي..لدي سؤال اخير
صاحت: مابك؟ أنت لا تتوقف عن الأسئله وهذه علامة من لم يسكن إيمان المسيح قلبه
تحمليني سيدتي ولو قليلا - نظرات غاضبة منها- فقلت معتذرا: آه سامحيني آنستي فلن أجد فرصة أخرى للسؤال فأنت تتجلين كل مره بعد عشرات السنين وقد لا أكون محظوظا بوجودي في بلاد لاتينيه! فقالت بعد تردد: تفضل أسأل
قلت : هل ترين ابنك كثيرا هذه الأيام؟
فتنهدت وقالت: للاسف لا..إنه مشغول مع ابوه كثيرا..أتصدق؟ أنه طالع على أبوه لاتستطيع ان تفرق بينهما..حتى أنا أتلخبط بينهما ولا أعرف من هو الأب ..ومن هو ألأبن؟
ومع تنهداتها صارت تختفي شيئا فشيئا..سيدتي..صحت بها ثم تداركت : أقصد آنستي إنتظري قليلا..لدي بعض الأسئله ..الا إنها أختفت تماما
وفجأه ظهرت مرة أخرى
وقالت: عادة أطلب من الناس الذين أتجلى لهم أن ينشروا الخبر..الا أنه مع حالتك انت ..افضّل أن لاتذكر لأحد من الناس أنك رأيتني...مفهوم؟
فحركت رأسي بالإيجاب
فاختفت من أمامي مرة أخرى..ولمدة نصف دقيقه..ووسط ذهولي، تجلت مرة اخرى وقالت: وحتى لو فعلت ايها المسكين .. فلن يصدقك احد وضحكت بدلال هاهاهاه
ثم اختفت..و هذه المره لم تظهر ابدا..انتظرت ساعة كامله..ولكنها لم تعد.. وفعلا كانت نبؤتها صحيحه، فحتى الأن لم يصدقني احد رويت له هذه القصه
بن كريشان








